ابن عطاء الله السكندري
107
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
وفي قوله تعالى : ( عند ربك ) غاية الترغيب في الحسن ، والتنفير من القبيح ، فإن الحسن جد الحسن ما كان حسنا عند اللّه تعالى ، والقبيح جد القبيح ما كان قبيحا عنده . وفي اسم الرب تنبيه على أن العلم بالحسن والقبيح على وجه التفصيل والتدقيق - حتى يكون المأمور به حسنا قطعا ، والمنهى عنه قبيحا قطعا - إنما هو له تعالى ، وأن أوامره ونواهيه - تعالى - الجارية على مقتضى ذلك هي من مقتضى ربويتيه - تعالى - وتدبيره لخلقه . مكانة هذه الأصول علما وعملا : ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [ الإسراء : 39 ] . المناسبة : لما بينت الأصول تمام البيان ، وقررت غاية التقرير ؛ جاءت هذه الآية للتنويه بها لحث العباد على تحصيل ما فيها من علم ، والتحلي بما دعت إليه من عمل . المفردات والتراكيب : ( الحكمة ) : هي العلم الصحيح ، والعمل المتقن المبنى على ذلك العلم . وقال مالك بن أنس رضى اللّه عنه : « وهي الفقه في دين اللّه ، والعمل به » . والقرآن حكمة دلالته على ذلك كله . ( ذلك ) : إشارة إلى ما تضمنته الآيات المتقدمة من قوله تعالى : ( لا تجعل مع اللّه إلها آخر ) . و ( من ) في : ( مما ) تبعيضية ، و ( من ) في : ( من الحكمة ) بيانية ، مجرورها بين المبهم ، وهو ما في قوله : ( مما ) ، التقدير : ذلك الذي تقدم بعض الحكمة التي أوحاها إليك ربك . المعنى : هذا ضرب آخر من تأكيد العمل بما تقدم ، والترغيب فيه ؛ فبين تعالى أن ما تضمنته الآيات المتقدمة كله حكمة ، فالمتحقق بما فيها من علم ، والمتحلى بما حثت عليه من أعمال ، هو الحكيم الذي كمل من جهته العلمية وجهته العملية ، وتلك أعلى رتب الكمال للإنسان . وفي ذكر أنها بعض من كل : تنبيه على جلالة كلها ، وهو عموم ما أوحى اللّه تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وتنبيه أيضا على أن شرح هذه الأصول فيما أفادته من علم وعمل ، والتفقه فيها : يرجع فيه إلى الوحي ، ويعتمد في ذلك على بيانه . وفيه بيان أن الوحي هو المرجع الوحيد لبيان دين اللّه تعالى وشرعه ، وما أنزله لعباده من الحكمة ، وذلك الوحي هو القرآن العظيم ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي أرسل ليبين للناس